فصل: قال أبو السعود:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القرطبي:

قوله تعالى: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}
على جهة التوبيخ؛ كأنه يقول: لا تفعلوا ما لا ينفع، ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الإعتذار من الذنب.
واعتذر بمعنى أعذر، أي صار ذا عذر.
قال لَبيد:
وَمَنْ يَبْكِ حَولًا كاملًا فقد اعتذر

والاعتذار: مَحْوُ أثر المَوْجِدة؛ يُقال: اعتذرتِ المنازلُ دَرَست.
والاعتذار الدُّروس.
قال الشاعر:
أم كنتَ تعرِف ايات فقد جعلتْ ** أطلالُ إلْفِك بالوْدكاءِ تَعتذِرُ

وقال ابن الأعرابيّ: أصله القطع.
واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من المَوْجِدة.
ومنه عُذرة الغلام وهو ما يُقطع منه عند الخِتان.
ومنه عُذرة الجارية لأنه يقطع خاتم عُذرتها.
قوله تعالى: {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} قيل: كانوا ثلاثة نفر؛ هَزِئ اثنان وضحك واحد؛ فالمعفُّو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم.
والطائفة الجماعة، ويُقال للواحد على معنى نفس طائفة.
وقال ابن الأنبارِيّ: يطلق لفظ الجمع على الواحد؛ كقولك: خرج فلان على البغال.
قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أُريد بها الواحد طائفًا، والهاء للمبالغة.
واختلف في اسم هذا الرجل الذي عُفِيَ عنه على أقوال.
فقيل: مَخْشِيّ بن حُمَيِّر؛ قاله ابن إسحاق.
وقال ابن هشام: ويُقال فيه ابن مخشي.
وقال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مخاشن بن حُمَيِّر.
وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشّن ابن خُميّر.
وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة، وكان تاب وسُمّي عبد الرّحمن، فدعا الله أن يُقتل شهيدًا ولا يُعلم بقبره.
واختلف هل كان منافقًا أو مسلمًا.
فقيل: كان منافقًا ثم تاب توبة نَصُوحًا.
وقيل: كان مسلمًا، إلاَّ أنه سمع المنافقين فضحِك لهم ولم يُنكر عليهم. اهـ.

.قال الخازن:

قوله: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} يعني قل لهؤلاء المنافقين لا تعتذروا بالباطل.
ومعنى الاعتذار محو أثر الموجدة من قلب المعتذر إليه.
وقيل: معنى العذر قطع اللائمة على الجاني.
قد كفرتم بعد إيمانكم: يعني الاستهزاء بالله كفر والإقدام عليه يوجب الكفر فلهذا قال سبحانه وتعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فإن قلت إن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فكيف قال قد كفرتم بعد إيمانكم.
قلت: معناه أظهرتهم الكفر بعد ما كنتم قد أظهرتم الإيمان وذلك أن المنافقين كانوا يكتمون الكفر ويظهورن الإيمان فلما حصل ذلك الاستهزاء منهم وهو كفر قيل لهم قد كفرتم بعد إيمانكم.
وقيل: معناه قد كفرتم عند المؤمنين بعد أن كنتم عندهم مؤمنين.
وقوله سبحانه وتعالى: {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} ذكر المفسرون أن الطائفتين كانوا ثلاثة فالواحد طائفة والاثنان طائفة.
والعرب توقع لفظ الجمع على الواحد فلهذا أطلق لفظ الطائفة على الواحد.
قال محمد بن إسحاق: الذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشى بن حمير الأشجعي يقال إنه هو الذي كان يضحك ولا يخوض.
وقيل: إنه كان يمشي مجانبًا لهم وينكر بعض ما يسمع فكان ذنبه أخف فلما نزلت الآية تاب من نفاقه ورجع إلى الإسلام وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ عني بها تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلًا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين}
نهوا عن الاعتذار، لأنها اعتذارات كاذبة فهي لا تنفع.
قد كفرتم أظهرتم الكفر بعد إيمانكم أي: بعد إظهار إيمانكم، لأنهم كانوا يسرُّون الكفر فأظهروه باستهزائهم، وجاء التقسيم بالعفو عن طائفة، والتعذيب لطائفة.
وكان المنافقون صنفين: صنف أمر بجهادهم: {جاهد الكفار والمنافقين} وهم رؤساؤهم المعلنون بالأراجيف، فعذبوا بإخراجهم من المسجد، وانكشاف معظم أحوالهم.
وصنف ضعفه مظهرون الإيمان وإن أبطنوا الكفر، لم يؤذوا الرسول فعفى عنهم، وهذا العذاب والعفو في الدنيا.
وقيل: المعفو عنها من علم الله أنهم سيخلصون من النفاق ويخلصون الإيمان، والمعذبون من مات منهم على نفاقه.
وقيل: المعفو عنه رجل واحد اسمه مخشى بن حمير بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء، كان مع الذين قالوا: {إنما كنا نخوض ونلعب} وقيل: كان منافقًا ثم تاب توبة صحيحة.
وقيل: إنه كان مسلمًا مخلصًا، إلا أنه سمع كلام المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم، فعفا الله عنه، واستشهد باليمامة وقد كان تاب، ويسمى عبد الرحمن، فدعا الله أن يستشهدوا ويجهل أمره، فكان ذلك باليمامة ولم يوجد جسده.
وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن وزيد بن علي وعاصم من السبعة: إن نعف بالنون، نعذب بالنون طائفة.
ولقيني شيخنا الأديب الحامل أبو الحكم مالك بن المرحل المالقي بغرناطة فسألني قراءة من تقرأ اليوم على الشيخ أبي جعفر بن الطباغ؟ فقلت: قراءة عاصم، فأنشدني:
لعاصم قراءة ** لغيرها مخالفة

إن نعف عن طائفة ** منكم نعذب طائفة

وقرأ باقي السبعة: إن تعف تعذب طائفة، مبنيًا للمفعول.
وقرأ الجحدري: أن يعف بعذب مبنيًا للفاعل فيهما، أي: أن يعف الله.
وقرأ مجاهد: أن تعف بالتاء مبنيًا للمفعول، تعذب مبنيًا للمفعول بالتاء أيضًا.
قال ابن عطية: على تقدير إن تعف هذه الذنوب.
وقال الزمخشري: الوجه التذكير لأنّ المسند إليه الظرف كما تقول: سير بالدابة، ولا تقول سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة فأنث لذلك، وهو غريب.
والجيد قراءة العامة إن تعف عن طائفة بالتذكير، وتعذب طائفة بالتأنيث انتهى.
مجرمين: مصرين على النفاق غير تائبين. اهـ.

.قال أبو السعود:

{لاَ تَعْتَذِرُواْ}
لا تشتغلوا بالاعتذار وهو عبارةٌ عن محو أثرِ الذنبِ فإنه معلومُ الكذبِ بيِّنُ البطلان {قَدْ كَفَرْتُمْ} أظهرتم الكفر بإيذاء الرسولِ صلى الله عليه وسلم والطعن فيه {بَعْدَ إيمانكم} بعد إظهارِكم له {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ} لتوبتهم وإخلاصِهم أو تجنّبهم (عن) الإيذاء والاستهزاءِ، وقرئ إن يعفُ على إسناد الفعلِ إلى الله سبحانه وقرئ على البناء للمفعول مسنَدًا إلى الظرف بتذكير الفعلِ وبتأنيثه أيضًا ذهابًا إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفةٌ {نُعَذّبْ} بنون العظمة وقرئ بالياء على البناء للفاعل وبالتاء على البناء للمفعول مسندًا إلى ما بعده {طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} مصِرِّين على الإجرام وهو غيرُ التائبين أو مباشرين له وهم غير المجتنبين.
قال محمد بن إسحاقَ: الذي عُفي عنه رجلٌ واحدٌ هو يحيى بنُ حُمَيِّر الأشجعيُّ لما نزلت هذه الآيةُ تاب عن نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آيةً تقشعر منها الجلودُ وتجِبُ منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلًا في سبيلك لا يقولُ أحدٌ: أنا غسلتُ أنا كفنتُ أنا دفنتُ فأصيب يومَ اليمامة فما أحدٌ من المسلمين إلا عُرِفَ مصرعُه غيرَه. اهـ.

.قال الألوسي:

{لاَ تَعْتَذِرُواْ} أي لا تشتغلوا بالاعتذار وتستمروا عليه فليس النهي عن أصله لأنه قد وقع، وإنما نهوا عن ذلك لأن ما يزعمونه معلوم الكذب بين البطلان، والاعتقدار قيل: إنه عبارة عن محو أثر الذنب من قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه واندراسه.
وقيل هو القطع ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تعذر أي تقطع وللبكارة عذرة لأنها تقطع بالافتراع، ويقال: اعتذرت المياة إذا انقطعت فالعذر لما كان سببًا لقطع اللوم سمي عذرًا، والقولان منقولان عن أهل اللغة وهما على ما قال الواحدي متقاربان {قَدْ كَفَرْتُمْ} أي أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام والطعن فيه {بَعْدَ إيمانكم} أي إظهاركم الإيمان وهذا وما قبله لأنه القوم منافقون فأصل الكفر في باطنهم ولا إيمان في نفس الأمر لهم.
واستدل بعضهم بالآية على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ولا خلاف بين الأئمة في ذلك {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ} لتوبتهم وإخلاصهم على أن الخطاب لجميع المنافقين أو لتجنبهم عن الإيذاء والاستهزاء على أن الخطاب للمؤذين والمستهزئين منهم، والعفو في ذلك عن عقوبة الدنيا العاجلة {نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي مصرين على النفاق وهم غير التائبين أو مباشرين له وهم غير المجتنبين.
أخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال من خبر فيه طول: كان الذي عفى عنه محشي بن حمير الأشجعي فتسمى عبد الرحمن وسأل الله تعالى أن يقتل شهيدًا لا يعلم مقتله فقتل يوم اليمامة فلم يعلم مقتله ولا قاتله ولم ير له عين ولا أثر.
وفي بعض الروايات أنه لما نزلت هذه الآية تاب عن نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلًا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة واستجيب دعاؤه رضي الله تعالى عنه.
ومن هنا قال مجاهد: إن الطائفة تطلق على الواجد إلا الألف، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الطائفة الواحد والنفر، وقرئ {يعف} و{لاَّ يُعَذّبُ} بالياء وبناء الفاعل فيهما وهو الله تعالى.
وقرئ {إن} و{أَن تُعَذّبَ} بالتاء والبناء للمفعول.
واستشكلت هذه القراءة بأن الفعل الأول مسند فيها إلى الجار والمجرور ومثله يلزم تذكيره ولا يجوز تأنيثه إذا كان المجرور مؤنثًا فيقال سير على الدابة ولا يقال سيرت عليها.
وأجيب بأن ذلك من الميل مع المعنى والرعاية له فلذا أنث لتأنيث المجرور إذ معنى {نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ} ترحم طائفة وهو من غرائب العربية، وقيل: لو قيل بالمشاكلة لم يبعد، وقيل: إن نائب الفاعل ضمير الذنوب والتقدير ان تعف هي أي الذنوب، ومن الناس من استشكل الشرطية من حيث هي بأنه كيف يصح أن يكون {نُعَذّبْ طَائِفَةً} جوابًا للشرط السابق ومن شرط الشرط والجزاء الاتصال بطريق السببية أو اللزوم في الجملة وكلاهما مفقود في الجملة، وقد ذكر ذلك العز بن عبد السلام في أماليه ونقله عنه العلامة ابن حجر في ذيل الفتاوي وذكر أنه لم ير أحدًا نبه على الجواب عنه لكنه يعلم من سبب النزول، وتكلم بعد أن ساق الخبر بما لا يخلو عن غموض، ولقد ذكرت السؤال وأنا في عنفوان الشباب مع جوابه للعلامة المذكور لدى شيخ من أهل العلم قد حلب الدهر أشطره وطلبت منه حل ذلك فأعرض عن تقرير الجواب الذي في الذيل وأظن أن ذلك لجهله به وشمر الذيل وكشف عن ساق للجواب من تلقاء نفسه فقال: إن الشرطية اتفاقية نحو قولك: إن كان الإنسان ناطقًا فالحمار ناهق وشرع في تقرير ذلك بما تضحك منه الثكلى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأجاب مولانا سري الدين: بأن الجزاء محذوف مسبب عن المذكور أي فلا ينبغي أن يفتروا أو فلا يفتروا فلابد من تعذيب طائفة، ثم قال: فإن قيل هذا التقدير لا يفيد سببية مضمون الشرط لمضمون الجزاء.
قلت: يحمل على سببيته للأخبار بمضمون الجزاء أو سببيته للأمر بعدم الاغترار قياسًا على الأخبار، وقد حقق الكلام في ذلك العلامة التفتازاني عند قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ} من سورة البقرة في حاشية الكشاف. اهـ.